ألمقاومة السرية ألمسلحة في بورسعيد حرب 1956

حـروب مـصر وتفاصيل نشاطات ألمقاومة ألسرية ألمسلحة ضد ألقوات ألبريطانية والفرنسية وألغزو الأنجلوفرنسي لبورسعيد 1956ـ حرب ألعدوان ألثلاثي ـ


    قصة صغيرة بين الرئيس جمال عبد الناصر والسفير الأمريكى

    شاطر
    avatar
    د. يحي ألشاعر
    Admin

    ذكر المساهمات : 607
    نقاط : 1365
    ألمرتبة : 0
    تاريخ التسجيل : 21/09/2018
    العمر : 80
    الموقع : http://yahia-al-shaer.square7.ch

    قصة صغيرة بين الرئيس جمال عبد الناصر والسفير الأمريكى

    مُساهمة من طرف د. يحي ألشاعر في الأربعاء 03 أكتوبر 2018, 8:30 pm




    قصة صغيرة بين الرئيس جمال عبد الناصر والسفير الأمريكى





       ما زال هناك العديد من القصص التي تنشر وستنشر عن جنال عبدالناصر ...


       فيما يلي .. قصة نشرت منذ أكثر من نصف قرن ... ولكن قيمتها ... مازالت حتي اليوم


       د. يحي الشاعر



     

    جمال عبد الناصر يطلب خطبة لجورج واشنطن والسفير يفتش سطورها
       إذا لم تستطيعوا فهم موقفنا على ضوء التاريخ العربى..
       فحاولوا أن تفهموه على ضوء التاريخ الأمريكى!
       فى لقاء أخير بين الرئيس جمال عبد الناصر، وبين السفير الأمريكى فى القاهرة، المستر ريموند هير، وقعت قصة صغيرة... ولكنها أبلغ فى شرح الحياد الإيجابى الذى ينادى به العرب اليوم، من ألف مجلد تكتب عن هذا الموضوع.

       كان اللقاء بين الرئيس، وبين السفير، قد قارب الانتهاء ولقد شمل البحث كل الموضوعات التى كان مفروضاً أن يشملها... وبدأ السفير يتأهب للقيام.

       وقال الرئيس جمال عبد الناصر موجهاً حديثه للسفير:

       - ترى هل أستطيع أن أجد عندك نسخة من آخر خطبة ألقاها جورج واشنطن؟

       وقال ريموند هير:

       - تقصد خطبة الوداع.. أليس كذلك، إننا نطلق عليها فى تاريخنا الوطنى الأمريكى هذا الوصف، ليس فقط لأنها كانت آخر خطبة ألقاها بطل الاستقلال الأمريكى، بل أيضاً لأنه ضمنها نصائحه إلى شعبه.

       وقال الرئيس جمال عبد الناصر:

       - أجل.. بالتحديد هذه الخطبة فهل لديك نسخة منها؟

       وقال السفير الأمريكى:

       - لابد أن تكون فى مكتبة السفارة هنا نسخة منها، وإذا لم نجدها فسأبعث إلى واشنطن فى طلبها...

       ثم استطرد السفير الأمريكى:

       - سوف تكون معى فى أول مرة التقى فيها بسيادتكم، إلا إذا كنتم تريدونها قبل ذلك لأمر عاجل لا يحتمل الانتظار...

       وقال الرئيس:

       - إن الأمر ليس عاجلاً إلى هذه الدرجة.

       وانتهى اللقاء... ومرت أيام.

       ثم جدت ظروف تستدعى أن يطلب السفير الأمريكى ريموند هير موعداً ليقابل فيه رئيس الجمهورية المصرية بناء على تعليمات تلقاها من واشنطن، وتحدد الموعد.

       وذهب السفير يحمل رسالة حكومته، ولم ينس أن يضع فى جيبه كتيباً صغيراً فيه آخر خطبة ألقاها جورج واشنطن... خطبة الوداع.

       وفى هذه المرة لم تكن خطبة جورج واشنطن التاريخية هى ختام اللقاء بين الرئيس وبين السفير، وإنما كانت بداية اللقاء.

       قدم السفير نسخة الخطبة إلى رئيس الجمهورية المصرية قائلاً:

       - هذه هى الخطبة التى كنتم قد طلبتم نسخة منها فى آخر لقاء.

       ثم استطرد ريموند هير باسماً:

       - سيدى... أظن أننى استطعت أن أعرف السبب الذى تريدون من أجله هذه الخطبة... هل تأذن لى أن أجرب قدرتى على الاستنتاج؟

       وأمسك السفير بيده خطبة جورج واشنطن.. خطبة الوداع، ثم قلب صفحاتها.. ثم وصل إلى سطور منها وضع عليها إصبعه ثم عاد يتطلع إلى الرئيس قائلاً:

       - سيدى... أظنها بالتحديد هذه الفقرة، التى أثارت اهتمامكم فى هذه الخطبة، ثم ابتسم ريموند هير واستطرد:

       - هل أصبت؟ أم ترى جانبنى التوفيق؟

       وقال الرئيس جمال عبد الناصر ضاحكاً:

       - بل أصبت... هذه فعلاً هى الفقرة التى كنت أريدها فى خطبة جورج واشنطن!

       واتجه الحديث بعدها إلى الموضوعات التى من أجلها طلب السفير موعداً يقابل فيه الرئيس.

       ولكن ما هى هذه الفقرة الهامة فى خطبة جورج واشنطن التاريخية... خطبة الوداع؟ وماذا تقول؟

       وأى شئ فيها حتى تثير اهتمام رئيس جمهورية مصر لهذا الحد... الحد الذى يجعله يطلب نسخة منها من السفير الأمريكى، والحد الذى يجعل السفير الأمريكى يهتم بالخطبة بدوره، ويذهب يفتش سطورها يحاول أن يعثر فيها على الفقرة التى تهم جمال عبد الناصر؟!

       ثم ينجح فى محاولته.. ويعثر عليها فعلاً!

       أجل!

       ما هى هذه الفقرة الهامة، وماذا تقول، وأى شىء فيها؟

       إنها سبعة سطور أو ثمانية.. موجهة إلى الشعب الأمريكى.. فى آخر خطبة ألقاها عليه الزعيم الذى قاد معركة الاستقلال الأمريكى، سبعة سطور أو ثمانية.. قالها جورج واشنطن.. ونصها بالحرف:

       القاعدة الأساسية التى يجب أن تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية إزاء الدول الأجنبية يجب أن تكون كما يلى:

       "توسع بقدر المستطاع فى علاقاتنا التجارية معها، تحفظ بقدر المستطاع فى علاقاتنا السياسية معها، تجارة من غير ما حدود، وسياسة داخل أضيق الحدود.

       لابد أن نعرف أن أوروبا لها مجموعة من المصالح الأزلية لا علاقة لنا بها مطلقاً، أو لنا بها علاقة بعيدة، إن أوروبا كانت دائماً، وستظل، مسرحاً لحزازات متكررة لا تعنينا بحال من الأحوال.

       إن الأسباب المختلفة لهذا الحزازات غريبة عنا تماماً ومن ثم فإنه ليس من الحكمة أن نورط أنفسنا بروابط صناعية تجرنا معها فى تيار من التقلبات السياسية لا شأن لنا بها، ومن ثم تشركنا فى عداوات ليس لها من وجهة نظرنا ما يبررها".

       انتهت هذه الفقرة من كلام جورج واشنطن فى خطبة الوداع!

       هل اتضح... ما هى؟، وهل اتضح.. ماذا تقول؟، وهل اتضح.. أى شئ فيها؟

       أظن الأمر كله اتضح، ومع ذلك فلعله من المفيد أن نعود إلى ظروف تلك الأيام التى ألقى فيها جورج واشنطن هذه الكلمات الخالدة!

       أيامها كان الشعب الأمريكى خارجاً لتوه من حرب الاستقلال، كذلك شعوب العرب اليوم، وأيامها كانت القوات الأجنبية قد جلت لتوها عن أمريكا، كذلك القوات الأجنبية التى كانت تحتل أرض العرب حتى اليوم، وأيامها كانت القوى الكبرى مشتركة فى صراع مخيف انهمكت فيه بكل إمكانياتها بريطانيا وفرنسا والنمسا، وكذلك القوى الكبرى اليوم، وأيامها كانت الحكومة الأمريكية بلسان منشئها تنظر بشك إلى هذا الصراع وتخاف منه على استقلالها، وكذلك حكومات العرب المتحررة اليوم، وأيامها دخلت القوى الكبرى فى حروب دامية، وكذلك حدث، وقد يحدث اليوم... مع خلاف بسيط هو أن أسلحة الحرب أيامها كانت تقتل الناس واحداً واحداً... أما اليوم فأسلحة القتال تزهق أرواح الناس بالملايين... مليوناً بعد مليون!

       كانت هذه هى الظروف أيامها فى أمريكا وهى نفس الظروف هذه الأيام فى البلاد العربية، وعلى ضوئها - فى تلك الأيام - وضع جورج واشنطن حدود السلامة لشعبه، وعلى ضوئها - فى هذه الأيام - وضع زعماء العرب حدود السلامة لشعوبهم...

       ومع ذلك فهناك ما هو أكثر..

       كانت الصلة بين الشعب الأمريكى والقوى الكبرى فى أوروبا أيامها علاقات أقرب وأوثق من العلاقات بين الشعوب العربية وبين القوى الكبرى هذه الأيام..

       أن الشعب الأمريكى كان يستطيع أن يرد أنسابه.. آباءه وجدوده.. أصوله كلها إلى قوى أوروبا المتصارعة فيما بينها.

       أما الشعوب العربية فما هى صلتها بالقوى الكبرى اليوم؟ ماذا رأى الشعب العربى من هذه القوى إلا كل ما يبعث الريبة فى النفوس وفى القلوب، لم نعرف هذه القوى إلا وهى رابضة فى مواجهتنا وراء دبابة، ولم تتحدث إلينا هذه القوى إلا من فوهة مدفع، ولم نرها إلا وهى هابطة فوق رءوسنا بالباراشوت!!

       ولم تعقد معنا اتفاقاً إلا كانت هى الطرف المتحكم الذى سيحدد الشروط ويفرضها ويكتبها ويقدمها للطرف الضعيف يبصمها بإبهامه بعد أن يبلله بقطرات من دمه.

       بل وحين تطورت هذه القوى وأرادت أن تتصل بنا وجهاً لوجه.. رجلاً لرجل.. لم نجد أمامنا إلا أمثال لورنس وجلوب وكيفرن ونورى السعيد..

       وبينما نادى جورج واشنطن أيامها، بالعزلة الكاملة، نادى زعماء العرب اليوم بما هو أخف من العزلة، لأن ظروف التقدم الإنسانى لا تسمح اليوم بالعزلة، لدولة من الدول أو شعب من الشعوب، وقد كانت صيغة زعماء العرب هى:

       "الحياد الإيجابى" أى "عدم الانحياز"!

       هل زاد الأمر وضوحاً؟

       اعتقد!

       وبعد...

       لماذا ذكرت هذه القصة الصغيرة التى وقعت بين الرئيس عبد الناصر وبين السفير الأمريكى؟ لماذا ذكرتها اليوم، واستطردت بعدها إلى مزيد من التفاصيل تزيد الأمر شرحاً وتفصيلاً؟

       السبب فى هذا رجل أمريكى، وصل إلى الشرق الأوسط هذا الأسبوع، يحاول أن يشرح له سياسة الرئيس أيزنهاور... رجل اسمه ريتشاردز، يرأس البعثة التى استعارت منه اسمه وأصبحت بعثة ريتشاردز.

       إنه يسمع الآن وسوف يسمع فى الأيام القليلة القادمة كثيراً عن عبارة الحياد الإيجابى، إننى أتمنى له أن يفهمها.

       إن لم يستطع أن يفهمها على ضوء من تاريخ الشعب العربى، فلعله يستطيع أن يفهمها على ضوء من تاريخ الشعب الأمريكى نفسه!

       أليس هذا عدلاً... أم ماذا؟

       قولوا كلمة أيها المتحمسون لكل ما هو أمريكى، أليس جورج واشنطن أمريكياً.. بل ألم يكن بطل الاستقلال الأمريكى؟.

       وليتكم بعدها تتعلمون الدرس من أمريكى مخلص..

       لتكونوا أنتم أيضاً عرباً مخلصين!



       مقالات بصراحة - آخر ساعة- بتاريخ ٢٠/٠٣/١٩٥٧


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 10 ديسمبر 2018, 2:03 am